علم الدين السخاوي
604
جمال القرّاء وكمال الإقراء
صومهم ، فكانوا إذا ناموا حرّم عليهم بعد نومهم أن يأكلوا أو يشربوا أو يقربوا النساء ، وكذلك بعد صلاة العشاء الآخرة وإن لم يناموا . وليس هذا القول بشيء ، وإنّما المعنى : فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم ، أي أوجبه اللّه تعالى عليكم كما أوجبه على الذين من قبلكم « 1 » . قال علي - رضي اللّه عنه - ( أولهم آدم ، وجميع الأمم مفروض عليهم الصوم ) « 2 » ، وقال قوم : أراد بقوله أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر ، كتب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صيامها حين هاجر ، ثم نسخ بشهر رمضان « 3 » ، وهذا غير صحيح « 4 » ، لأنه بين الأيام المعدودات بقوله عزّ وجلّ شَهْرُ رَمَضانَ .
--> إلى أن قال : وقوله عز وجل عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ . . الآية 187 من السورة نفسها ، يدل على أن اللّه فرض علينا ما كان فرضه على من كان قبلنا من الصيام وترك الطعام والشراب والوطء بعد النوم ، فهو منسوخ بما بعده ، دليل ذلك أن الخيانة لا تلحق إلا من ترك ما أمر به وفعل ما نهى عنه . . . اه الايضاح ص 147 . وقال بنسخها كذلك ابن العربي وتابعه السيوطي . انظر : الإتقان 3 / 65 . فهذه أقوال الذين قالوا بنسخها مع اختلافهم في الناسخ كما ترى ، وهي أقوال مرجوحة ، وإنما الصحيح أن الآية محكمة كما سيذكره المصنف وكما ذكره ابن الجوزي وغيره فيما يأتي . واللّه أعلم . ( 1 ) وهذا ما رجحه الإمام الطبري - أي أن الآية لا ناسخة ولا منسوخة - انظر : جامع البيان ( 2 / 131 ، 132 ) . وقد ذكر مكي بن أبي طالب عن الشعبي ومجاهد والحسن أن الآية محكمة ، غير ناسخة ولا منسوخة . . ) اه الإيضاح ص 148 . وقد مال ابن الجوزي إلى أن الإشارة بقوله : كَما كُتِبَ ليست إلى صفة الصوم ولا إلى عدده ، وإنما إلى نفس الصوم ، والمعنى : كتب عليكم أن تصوموا كما كتب عليهم . قال : وأما صفة الصوم وعدده ، فمعلوم من وجوه أخر ، لا من نفس الآية ، وهذا المعنى مروي عن ابن أبي ليلى ، وقد أشار السدي والزجاج والقاضي أبو يعلى ( إلى هذا ) ، وما رأيت مفسرا يميل إلى التحقيق إلا وقد أومى إليه ، وهو الصحيح . . . وعلى هذا البيان لا تكون الآية منسوخة أصلا اه نواسخ القرآن ص 170 ، وذكره كذلك بنحوه مختصرا في كتابه المصفى بأكف أهل الرسوخ ص 18 . وممن نفى النسخ الشيخ الزرقاني . انظر مناهل العرفان ( 2 / 259 ) . ( 2 ) لم أقف على من ذكره مسندا إلى علي - رضي اللّه عنه - وإنما ذكره أبو حيان عنه دون إسناد . انظر : البحر المحيط 22 / 29 . ( 3 ) انظر : الإيضاح ص 146 - 147 . ( 4 ) أي تفسير الأيام المعدودات بيوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر . وأنها نسخت بشهر رمضان ،